ّ
ّ
وأصواتهّن
بعيونهّن
يقضــي الصحافيــون والصحافيــات أعمارهــم/ن فــي ســرد قصــص اآلخريــن؛ كونهــم/ن أول مــن يطــأ الميــدان،
لمتابعــة األحــداث وتوثيقهــا ،واضعيــن أرواحهــم/ن علــى كفوفهــم/ن فــي ســبيل أن يخ ّّلــدوا لنــا تاريخـ ًًا حيـ ًًا فــي
الذاكــرة .وفــي قلــب مناطــق النزاعــات واألنظمــة القمعيــة ،تتجلــى المخاطــر بأقصــى صورهــا وأشــدها .ومــع
ذلــك ،نــادر ًًا مــا ُُتتــاح لنــا الفرصــة لســماع قصصهــم/ن الشــخصية وتجــارب عايشــوها بأنفســهم/ن ،أو الوقــوف
ّ
وهّمهــم/ن الوحيــد أن يــرووا لنــا الوقائــع
علــى حجــم التهديــدات التــي تترصدهــم/ن؛ إذ يتصــدون للعنــف ببســالة،
مــن دون تحريــف.
فــي الشــرق األوســط وشــمال إفريقيــا ( ،)MENAتتعــرض الصحافيــات لعنــف قائــم علــى النــوع االجتماعــي،
ُُتســّهّ له التكنولوجيــا ( technology-facilitated violence against women��و اختصــار ًًا ،)TFVAWوفــي الوقــت
نفســه ،يشـ ّ
ـّكلن جــدار ًًا منيعـ ًًا فــي وجهــه .أمــا الالتــي يغطيــن األحــداث فــي مناطــق النــزاع ،أو يعملــن فــي بيئــات
هشــة تعصــف بهــا تقلبــات مســتمرة ،فتــزداد عليهــن المخاطــر والضغــوط أضعاف ـ ًًا مضاعفــة.
ينطــق هــذا الكتــاب بأصــوات الصحافيــات الالتــي يرويــن قصصهـ ّ
ـّن الخاصــة ،جامعـ ًًا شــهادات حيــة مــن بيئــات
قمعيــة ،ومــن مناطــق غيــر مســتقرة ،تشــهد نزاعــات كثيــرة ،حيــث تواجــه الصحفيــات تحديــات كبيــرة داخــل
منظومــة المعلومــات الرقميــة المعقــدة ،فــي ســعي دؤوب إلــى كشــف القصــص المغّيّبــة وحملهــا إلــى دائــرة
الضــوء .هــذه الشــهادات ،التــي تنســج خيوط ـ ًًا مــن المقاومــة والمســاءلة ،ليســت تقاريــر صحافيــة بــاردة أو
متجّســدة ،نابضــة بالحيــاة ،ترويهــا عيــون النســاء وأصواتهـ ّ
ـّن ،نســاء
مفصولــة عــن التجربــة ،بــل هــي روايــات
ّ
ُيُدركــن ،كمــا يــدرك الجســد األلــم الــذي عاشــه ،مالمــح العنف المرتبــط بالتكنولوجيا .ومن عمق هذه الســرديات،
يتبــدى العالــم الرقمــي ليــس كفضــاء تواصــل محايــد ،بــل كســاحة متق ّّلبــة مشــبعة بالمراقبــة واالنكشــاف
والســيطرة ،وميــدان تتقاطــع فيــه ســلطة الدولــة مــع القيــم االجتماعيــة والثقافيــة.
تكشــف األبحــاث أن نحــو 67فــي المئــة مــن المشــاركين فــي اســتطالعات الــرأي ،فــي منطقــة الشــرق األوســط
وشــمال إفريقيــا ،أفــادوا بتعّرّضهــم لشــكل واحــد ،علــى األقــل ،مــن أشــكال األذى اإللكترونــي ،فــي نســبة تتجــاوز
المعــدل العالمــي البالــغ 60فــي المئــة .وتغــدو هــذه األضــرار أكثــر فداحــة حيــن تطول النســاء؛ إذ ُُتظهــر البيانات
أن النســاء فــي المنطقــة يبلغــن عــن اآلثــار الســلبية الناجمــة عن هــذا النوع من األذى ،بمعــدالت تفوق نظيرتها
المســّجّ لة لــدى الرجــال .وتتفاقــم حّدّ تهــا لــدى العــامالت فــي المجــال العــام ،كالصحافيــات والسياســيات ،ومــن
يشــغلن أدوار ًًا تتط�ل ـّب الظهــور أمــام الجمهــور .ومــع ذلــك ،مــا زالــت معظــم دول المنطقــة تفتقــر إلــى قوانيــن
صريحــة ُُتج ـّرّم العنــف اإللكترونــي ضــد النســاء ،وتعانــي أطرهــا المؤسســية ضعف ـ ًًا يعــوق إنفــاذ التشــريعات
4