رامز أبو حصيره وآخرون
العنف الرقمي ضد الصحفيات األردنيات...
مقدمة
مع تزايد تسارع هيمنة التكنولوجيا ،وتعاظم اعتماد الصحفيين والصحفيات عليها ،أصبح االتصال والتواصل على الشبكة العنكبوتية جزء ال يتجزأ
من ضروريات العمل الصحافي ،حيث مكنت وسائط اإلعالم وتكنولوجيا املعلومات واالتصاالت من إتاحة الفرص؛ للمشاركة في الحياة العامة واالنخراط
في مختلف النشاطاتاالجتماعية والسياسية واالقتصادية ،وغيرها.
ورغم املزايا واإليجابيات التي قدمها اإلعالم الرقمي بأدواته الجديدة إلى وسائل اإلعالم املتنوعة ،إال أن ذلك يرافقه إمكانية التعرض ملخاطر الوقوع
ّ
ً
مصدرا لضغوطات وأزمات عند الصحفيين والصحفيات؛ نتيجة هجمات رقمية قد تستهدفهم كرد فعل على أنشطتهم
ضحايا للعنف الرقمي ،ويشكل
ُ
أصحابها أن تبقى مخفية ،وقد تتسع رقعة الهجوم الرقمي إلى حمالت تشويه منظمة ضد الحساب الخاص بالصحفي
أو عقب تناولهم لقضايا كان يرغب
ً
أو الصحفية ،بهدف التشكيك في مهنيتهما و مصداقيتهما ،أو لبث القلق عندهما واملؤسسة اإلعالمية التي يعمالن لصالحها ،وصوال إلى تهديد النطاق
العائلي االجتماعي ،ما يجعل الصحفي أو الصحفية يعيشان في دائرة من الضغوط النفسية الناتجة عن هذا العنف (.)Mahmoud, 2022
ً ّ
وبالنظر الى هذه املنصات من منظور جندريّ ،
فإن الصحفيات عادة ما يكن األكثر عرضة له ،من خالل استهدافهن وابتزازهن أو إلحاق الضرر بهن
ً
ً
ً
أواقتصاديا ،نتيجة الظهور العلني ومشاركة وجهات نظرهن وتجاربهن وإنتاجهن املعرفي ،من حيث الوصول املباشر أو غير املباشر
اجتماعيا
نفسيا أو
ُ
وعربيا ً
ً
لصناع القرار ً
ودوليا (.)Asad & Abrougui, 2021
محليا
وأشارتقرير ،)2022(General Assembly of the United Nationsحول"سالمة الصحفيين ومسألة اإلفالت من العقاب" ،إلى ّ
أن "العوامل التي تزيد
من خطر االعتداءات عبر اإلنترنت تشمل النوع الجنس ي للشخص الصحفي وما إذا كان هذا الشخص يقدم تقارير عن مواضيع حساسة" ،كما "تتأثر
الصحفيات بشدة جراء االعتداءات في بيئة اإلنترنت"؛ فقد كشفت دراسة حول االتجاهات العاملية للعنف املرتكب على اإلنترنت ضد الصحفيات ّأن
%73من الصحفيات يتعرضن للعنف على اإلنترنت ،حيث تتقاطع أشكال أخرى من التمييز كالعنصرية والتعصب الديني ،مع التحيز الجنساني وكراهية
النساء ،ما يؤدي إلى ارتفاع كبير في معدالت العنف على اإلنترنت ضد الصحفيات اللواتي ينتمين إلى األقليات أو املجتمعات املهمشة ،إذ ّأن الصحفيات
الالتي يعرفن بأنهن سوداوات أو من الشعوب األصلية أو عربيات ،يتعرضن ألعلى معدالت العنف على اإلنترنت وعانين من أشد اآلثار الناجمة عنه،
ُ
وشملت أشكال االعتداء املبلغ عنها التهديد باالعتداء الجنس ي والعنف البدني ،واملضايقة ،وتقديم بيانات كاذبة ،والتهديد بإلحاق الضرر بالسمعة املهنية
والشخصية ،والقرصنة واملراقبة ،كما ّأن %20من االعتداءات على الصحفيات خارج اإلنترنت تتصل باعتداءات تعرضن لها على اإلنترنت ( Posetti et
.)al., 2021
واألردن ،كغيرها من دول العالم ،ليست بعيدة عن العنف الرقمي ،ما جعل الحاجة ملحة ملواجهة جميع أشكال العنف أو اإلساءة أو االنتهاكات الذي
تتعرض لهن الصحفيات ،إذ تصبح الصحفيات الالتي يغطين املوضوعات والقضايا ذات الطبيعة التي يراها املجتمع أو القانون حساسة أو مثيرة
للجدل،مثل :حرية الرأي والتعبير ،وقضاياحقوق اإلنسان ،وحقوق املرأة ،واملسائل الجنسانية ،والحركات النسوية ضحايا للعنف املرتكب عبر اإلنترنت،
لذلك ،بادرت مجموعة من الصحفيات واإلعالميات إلى تشكيل لجنة إلطالق "شبكة مناهضة العنف الرقمي ضد الصحفيات األردنيات" ،تقوم رؤيتها
ُ
على السعي إلى إيجاد بيئة رقمية خالية من العنف ضد الصحفيات واإلعالميات في االردن .ومن هنا جاءت هذه الدراسة التي تعد األولى من نوعها في
األردن للنظر في نطاق العنف الرقمي ضد الصحفيات األردنيات وآثاره الجسدية والنفسية واملهنية ،إلى جانب تسليط الضوء على أنواع العنف الرقمي
ُ
الذي تعرضت له الصحفيات املشاركات في هذه الدراسة ،واملنصات الرقمية التي يحدث فيها هذا العنف ،وتقديم توصيات تسهم في الحد من العنف
الرقمي ،وتطوير وتمكين قطاع اإلعالم ومنصات التواصل االجتماعي.
مشكلة الدراسة
ً
بشكل أو بأخر ،خاصة أن الغالبية منهن يتواجدن على
تعاني الصحفيات واإلعالميات في األردن ،كغيرهن في جميع بلدان العالم من العنف الرقمي
ٍ
منصات التواصل االجتماعي بصفتهن الشخصية واملهنية ،بل ويستخدمن اإلنترنت كوسيلة للحصول على املعلومات والتواصل مع املصادر ،ونشر
ً
وغالبا ما تشعر الصحفيات بالوحدة والعزلة في مواجهة هذا العنف الرقمي ،في ظل ضعف تصدي التشريعات والقوانين
تجاربهن ومنتجهن الصحافي.
املختصة بمحاربة العنف الرقمي أو التي تختص بتنظيم العمل الصحفي لهذا النوع من العنف ،إلى جانب افتقار غالبية املؤسسات الصحفية واإلعالمية
املحلية ملدونات أو مواثيق أو أنظمة داخلية تعمل على إرشاد وتوجيه الصحفيات في حال تعرضهن للعنف الرقمي بسبب طبيعة عملهن ،وكشف
استطالع حديث أجرته مؤسسة )2022( SecDev Foundationأن ( )%54.7من الصحفيات في األردن تعرضن للعنف الرقمي في مرحلة ما من حياتهن
ً
املهنية ،و( )%72يستخدمن وسائل التواصل االجتماعي إلعداد قصصهن ،فضال عن أن ( )%25.9من الصحفيات ينشرن أعمالهن على هذه املنصات.
ً
وكثيرا ما تشعر الصحفيات بالعزلة في مواجهة العنف الرقمي (ميلر ،)2023 ،خاصة في ظل ضعف استجابة التشريعات والقوانين املتعلقة بمكافحة
ً
العنف الرقمي أو التي تنظم العمل الصحفي لهذا النوع من العنف ،فضال عن عدم وجود مدونات أو مواثيق أو تعليمات داخلية في معظم املؤسسات
2